ميرزا محمد حسن الآشتياني
81
بحر الفوائد في شرح الفرائد ( ط مكتبة المرعشي )
( ثمّ ) إن تحرير الكلام وتحقيقه من شيخنا قدس سره في المقام يخالف ما أفاده في أوّل الكتاب ولا بدّ من بسط القول فيه والإشارة في طيّ الكلام إلى مخالفة كلاميه في الموضعين وبيان ما يقتضيه النظر القاصر في الترجيح والحق منهما ( فنقول ) الأقسام الواقعيّة من حيث تعبّديّة الحكمين الإلزاميّين وتوصّليّتهما وتعبّديّة أحدهما معيّنا وتوصليّة الآخر لا يخلو من أربعة إلا أنه قد يضيف إليها قسم خامس ليس مقابلا لها بحسب الواقع وهو تعبّدية أحدهما لا على التعيين وتوصليّة الآخر ومحل البحث والوجوه التي سيمرّ عليك أو الأقوال هو القسم الثاني وهو ما لو كانا توصّليّين أو القسم الأخير الذي أضيف إلى الأقسام باعتبار جهل المكلّف بحال الحكم معيّنا مع علمه إجمالا بكون أحدهما تعبّديّا وأما لو لم يعلم بالحال أصلا واحتمل كلّا من التعبّديّة والتوصّليّة في كلّ منهما أو في أحدهما المعيّن فهو ليس قسما آخر في قبال الأقسام أصلا فإنه لا بد أن يرجع مع الشّكّ المفروض إلى الأصول والقواعد فإن كان مقتضاها في زعم الشاكّ التوصّليّة فيبني على توصّليّة المشكوك وإن كان مقتضاها التعبّديّة فيبني على تعبّديّته فيلحقه الحكم ( ثمّ ) [ في وجه تخصيص محلّ البحث بالقسمين ] إن تخصيص محلّ البحث بالقسمين مبنيّ على ما يقتضيه التحقيق وعليه المشهور من عدم جواز الرجوع إلى أصالة البراءة مع المخالفة القطعيّة العمليّة ولك أن تجعل محلّ الكلام دوران الأمر بين الحكمين الإلزاميين ثم تفصل في الحكم بين الأقسام المذكورة إذ لا يترتّب على تحرير البحث بأحد الوجهين ثمرة وكيف كان لا إشكال في عدم جواز الرجوع إلى البراءة وكذا التوقّف وعدم الالتزام بحكم أصلا في مرحلة الظاهر في غير القسمين أمّا البراءة فأمرها ظاهر حيث إنّ تجويز الشارع البناء على الإباحة فيه تجويز للمخالفة القطعيّة العمليّة حتى فيما لو كان أحدهما المعين تعبّديّا كما هو ظاهر وإن لم يستلزم الإباحة الظاهريّة المخالفة القطعيّة العمليّة في الصورة المفروضة كما يستلزمها فيما لو كانا تعبّديين حيث إنه بعد البناء على الإباحة الظاهريّة لا يتمكّن من قصد القربة على تقدير اختيار كل من الفعل والترك فيقطع بالمخالفة من حيث العمل باختيار كلّ منهما وهذا بخلاف ما لو كان أحدهما المعيّن تعبّديّا فإنه إذا اختار الطرف الآخر لا يقطع بالمخالفة العمليّة كما هو ظاهر إلّا أنّ تجويز الشارع موجب لاختيار ما يكون تعبّديّا فيقع في المخالفة العمليّة وبمثل ما عرفت ينبغي تحرير الوجه لا بمثل ما في الكتاب فإنه يوهم كون البناء على الإباحة مطلقا مستلزما للمخالفة القطعيّة العمليّة بل التحقيق كون البناء على الإباحة لا يوجب المخالفة القطعيّة العمليّة في التعبّديين أيضا فإن البناء على الإباحة الظاهريّة لا يمنع من كون الفعل أو الترك بداعي احتمال الوجوب أو التحريم بحسب الواقع إلّا أنّه مستلزم لتجويز اختيار كلّ منهما بعنوان الإباحة الظاهريّة فيكون إذنا في المعصية والمخالفة فافهم وأمّا التوقّف وعدم الالتزام بحكم ظاهريّ شرعيّ فلأنّه لا ينفكّ عن التجويز العقلي لاختيار كل من الفعل والترك وإن لم يكن معنونا بعنوان الحكم وإلا كان إلزاما بالنسبة إلى أحدهما وهو خروج عن التوقّف وهذا التجويز المطلق لا يجامع تعبديّة أحدهما فضلا عن كليهما اللهمّ إلا أن يلتزم مع التوقّف بإيقاع كل من الفعل والترك بعنوان الاحتمال وهو نحو من الالتزام فتأمل وكيف ما كان فمحلّ الوجوه بحيث يجري فيه جميعها ما ذكرنا من القسمين أمّا التوصّليّان فأمرهما ظاهر من حيث إن البناء على الإباحة فيهما لا يوجب المخالفة القطعيّة العمليّة في واقعة واحدة وأمّا إذا كان أحدهما لا على التعيين توصّليّا فلأنه إذا اختار كلّا من الفعل والترك يحتمل كونه متعلّقا للخطاب التوصّلي فلا علم بالمخالفة من حيث العمل بل لا يمكن في حقّه تحقق المخالفة القطعيّة العمليّة والمخالفة الاحتماليّة ممّا لا بدّ منها على كل وجه وتقدير إذ المفروض عدم إمكان الاحتياط ودوران الأمر بين المحذورين وكيف ما كان قد يقال فيهما بالإباحة الظاهريّة والبراءة عن كلّ من الوجوب والتحريم كما هو الحكم في دوران الأمر بين التحريم وغير الوجوب أو الوجوب وغير التحريم وقد يقال فيهما بوجوب الالتزام بأحد الحكمين وهو المشهور بينهم ظاهرا وقد يقال بالتوقف بالمعنى الذي عرفت بمعنى عدم حكم ظاهريّ للواقعة أصلا لا عدم علمنا به وتردّدنا فيه كعدم علمنا بالحكم الواقعي مع ثبوته ويوجّه الأوّل بجريان دليل البراءة عقلا ونقلا في الجملة في المقام كما في غيره من موارد الشك في نوع التكليف الإلزامي حيث إنّ عدم العلم بالتحريم علّة في حكم العقل بقبح المؤاخذة عليه كما أن عدم العلم بالوجوب علّة تامّة في حكمه بذلك من غير فرق بين دوران حكم الواقعة بينهما وغيره في حكم الشارع بالنظر إلى عمومات أخبار البراءة والحلّيّة سيّما المرسلة بناء على رواية جعل الغاية العلم بورود النهي والأمر على تقدير كون المراد ورود كل منهما بخصوصه فيدخل الفرض في المغيا والمفروض أنه لا يلزم من الرجوع إلى البراءة ما يمنع عنه من محذور المخالفة القطعيّة والالتزاميّة أما الأول فظاهر حيث إنه بعد البناء على البراءة لا يخلو من الفعل الموافق لاحتمال الوجوب والترك الموافق لاحتمال التحريم لكونهما توصّليين وأما الثاني فلأن الالتزام بالبراءة والإباحة في مرحلة الظاهر لا ينافي الالتزام بكون حكم الواقعة بحسب الواقع أحد الحكمين الإلزاميّين فإنما يجب الالتزام والتديّن بحكم الشارع على نحو ثبوته إجمالا أو تفصيلا واقعيّا أو ظاهريّا ضرورة عدم الفرق في وجوب تصديق الشارع بين حكمه الواقعي والظاهريّ فإن شئت قلت إن دليل وجوب التديّن والتصديق بما جاء من الشارع على ما جاء به إنما يثبت كبرى القياس كما هو الشأن في جميع القضايا الشرعيّة وأخذ النتيجة بالنسبة إلى وجوب الالتزام بحكم خاصّ يتوقّف على ثبوت كونه حكم الشارع للواقعة فلا يمكن إثبات وجوب الالتزام بالنسبة إليه إلا بعد ضمّ الصغرى المعلومة إليها من غير فرق بين إرادة إثبات وجوب الالتزام